ابراهيم اسماعيل الشهركاني
467
المفيد في شرح أصول الفقه
المقدمة داعيا بنفسه إلى المقدمة إلا إذا قلنا بترشح أمر آخر منه بالمقدمة ، فيكون هو الداعي ، وليس هذا الأمر الآخر المترشح إلا الأمر الغيري . فرجع الإشكال جذعا . قلت : نعم الأمر لا يدعو إلا إلى ما تعلق به ، ولكنا لا ندعي أن الأمر بذي المقدمة هو الذي يدعو إلى المقدمة ، بل نقول : إن العقل هو الداعي إلى فعل المقدمة توصلا إلى فعل الواجب ، وسيأتي إن هذا الحكم العقلي لا يستكشف منه ثبوت أمر غيري من المولى . ولا يلزم أن يكون هناك أمر بنفس المقدمة لتصحيح عباديتها ويكون داعيا إليها . والحاصل : أن الداعي إلى فعل المقدمة هو حكم العقل ، والمصحح لعباديتها شيء آخر هو قصد التقرب بها ، ويكفي في التقرب بها إلى الله أن يأتي بها بقصد التوصل إلى ما هو عبادة . لا إن الداعي إلى فعل المقدمة هو نفس المصحح لعباديتها ، ولا إن المصحح لعبادية العبادة منحصر قصد الأمر المتعلق بها ، وقد سبق توضيح ذلك . وعليه ، فإن كانت المقدمة ذات الفعل - كالتطهير من الخبث - فالعقل لا يحكم إلا بإتيانها على أي وجه وقعت ، ولكن لو أتى بها المكلف متقربا بها إلى الله توصلا إلى العبادة صح ووقعت على صفة العبادية واستحق عليها الثّواب . وإن كانت المقدمة عملا عباديا - كالطهارة من الحدث - فالعقل يلزم بالإتيان بها كذلك ، والمفروض : أن المكلف متمكن من ذلك ، سواء كان هناك أمر غيري أم لم يكن ، وسواء كانت المقدمة في نفسها مستحبة أم لم تكن . فلا إشكال من جميع الوجوه في عبادية الطهارات . النتيجة : مسألة مقدمة الواجب والأقوال فيها بعد تقديم تلك التمهيدات التسعة نرجع إلى أصل المسألة ، وهو البحث عن وجوب مقدمة الواجب الذي قلنا إنه آخر ما يشغل بال الأصوليين . وقد عرفت في مدخل المسألة موضع البحث فيها ، ببيان تحرير النزاع . وهو - كما قلنا - الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ، إذ قلنا : إن العقل يحكم بوجوب مقدمة الواجب أي : أنه يدرك لزومها - ولكن وقع البحث في أنه هل يحكم أيضا بأن المقدمة واجبة أيضا عند من أمر بما يتوقف عليها ؟